أبي بكر جابر الجزائري
612
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
بأنه يعرف تعبير الرؤيا فعندئذ قالا هيا نجربه فندعي « 1 » أنا رأينا كذا وكذا وسألاه فأجابهما بما أخبر تعالى به في هذه الآيات : قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ « 2 » أَنْ يَأْتِيَكُما واللفظ محتمل لما يأتيهما في المنام أو اليقظة وهو لما علمه اللّه تعالى يخبرهما به قبل وصوله إليهما وبما يؤول إليه . وعلل لهما مبيّنا سبب علمه هذا بقوله ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي « 3 » تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ وهم الكنعانيون والمصريون إذ كانوا مشركين يعبدون الشمس وغيرها ، تركت ملة الكفر واتبعت ملة الإيمان باللّه واليوم الآخر ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، ثم واصل حديثه معهما دعوة لهما إلى الإيمان باللّه والدخول في الإسلام فقال ما كانَ لَنا أي ما ينبغي لنا أن نشرك باللّه من شيء فنؤمن به ونعبده معه ، ثم أخبرهما أن هذا لم يكن باجتهاد منهم ولا باحتيال ، وإنما هو من فضل اللّه تعالى عليهم ، فقال ذلك من فضل اللّه علينا ، « 4 » وعلى الناس إذ خلقهم ورزقهم وكلأهم ودعاهم إلى الهدى وبيّنه لهم ولكن أكثر الناس لا يشكرون « 5 » فهم لا يؤمنون ولا يعبدون . هداية الآيات : من هداية الآيات : 1 - دخول يوسف السجن بداية أحداث ظاهرها محرق وباطنها مشرق . 2 - دخول السجن ليس دائما دليلا على أنه بيت المجرمين والمنحرفين إذ دخله صفي للّه تعالى يوسف عليه السّلام . 3 - تعبير الرؤى تابع لصفاء الروح وقوة الفراسة وهي في يوسف علم لدني خاص . 4 - استغلال المناسبات للدعوة إلى اللّه تعالى كما استغلها يوسف عليه السّلام . 5 - وجوب البراءة من الشرك وأهله . 6 - اطلاق لفظ الآباء على الجدود إذ كل واحد هو أب لمن بعده .
--> ( 1 ) روي أنه قال لهما : فما رأيتما ؟ فقال الخباز : رأيت كأنّي اختبزت في ثلاثة تنانير وجعلته في ثلاث سلال فوضعته على رأسي فجاء الطير فأكل منهن ، وقال الآخر رأيت كأني أخذت ثلاثة عناقيد من عنب أبيض فعصرتهن في ثلاث أوان ، ثمّ صفيته فسقيت الملك كعادتي فيما مضى هذا معنى قوله : إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً . ( 2 ) أي : بتفسيره في اليقظة ، فقالا له : هذا من فعل العرّافين والكهنة فردّ عليهما قائلا : ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ( 3 ) لمّا ردّ عليهما بقوله : ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي علّل له بقوله : إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ . . ( 4 ) إذ جعلنا أنبياء ورسلا ندعوا الناس إلى عبادة ربهم ، وتوحيده فيها ليكملوا عليها ويسعدوا في الدارين . ( 5 ) أي : لا يعرفون نعمة اللّه تعالى عليهم بإرسال الرسل إليهم مبشرين ومنذرين فلذا هم لا يعبدون اللّه ولا يوحدونه فيها .